المقال
كيف تصبح مفكراً متمرداً في تسع ساعات ?! - 1
9934 زائر
23-04-2017
أ.د. خالد الدريس

كيف تصبح مفكراً متمرداً في 9 ساعات ! (1)

:

.. يُحكى أن والد أحد العلماء المتقدمين، قال لابنه: يا بُني أود أن أعتلي على كرسي التعليم والمشيخة، يُحيط بي طلاب العلم كما يحيطون بك في حلقتك يسألونك ويكتبون أقوالك، غير أن حالي في العلم كما تعرفه، لم أدرس كما درست، ولم أجالس العلماء، وليست لدي إجازات، فأشفق الابن على أبيه، وأراد أن يُحقق له أمنيته، فطلب منه أن يجلس على كرسيه في المسجد، ويقرأ عليه أحد الطلاب من كتاب، وقال له: إن سئلت عن شيء فقل : هذه المسألة فيها خلاف!

:

.. وفي يوم تفطن أحد الطلبة النابهين لأجوبته المتهافتة المتكررة، فسأله بدهاء : أفي الله شك فاطر السموات والأرض ؟! فأجاب المتمشيخ : فيها قولان !.. فضج الناس ، وكُشف أمر المتعالم .

:

.. تذكرت هذه القصة، عندما عكفت على تحليل (خطاب فكري) بدأ يسود في المشهد الثقافي المحلي، فوجدت: أي شاب حديث السن لديه بعض القراءات الخفيفة (كالوجبات السريعة) يستطيع أن يكون مفكراً متمرداً يلفت الأنظار إليه بسرعة ويوصف من بعض المطبلين بالذكاء والعبقرية والإبداع، وعثرت أثناء ذلك على مثلث التمرد الفكري ، فأحببت أن أشارككم في كشف زيف المتعالمين الذين ارتفع صخبهم في وسائل التواصل الاجتماعي والمقاهي الفكرية وغيرها ، فما هي أضلاع المثلث ؟

:

الضلع الأول : (كن معارضاً)

الضلع الثاني : (كن غامضاً)

الضلع الثالث : (كن نسبياً)

:

.. ولنبدأ الآن في القاعدة الأولى التي يتعلم منها المفكر "اللامع" -زعموا- أصول جذب الأنظار إلى تغريداته أو شذراته ومداخلاته الفكرية .

:

القاعدة الأولى : ( كن معارضاً ) غرائبياً أو "خالف تُعرف"

:

.. المسألة يسيرة جداً بل وقديمة، لكي تنجح في جذب الأنظار عليك أن تخالف السائد والمعروف، خالف كل الأشياء المألوفة ، عليك بنقد المقدسات والتشكيك في صحتها، تهكم على المسلمات الاجتماعية، حطم كل شيء يستحسنه عموم الناس وارفضه بقوة وعارضه بشدة، فإذا عظم الناس مثلاً التفاؤل والنظرة الإيجابية ومدحوهما؛ فعليك أن تهاجمهما بضراوة ، تحدث بامتعاض عن المتفائلين وتفاهاتهم، وصفهم ببلادة الفهم إزاء الإحساس بآلام العالم، وتعجب من موت ضمائرهم التي تشاهد كل هذه المآسي في العالم من فقر ومرض وموت ونهب وظلم ومع ذلك يتحدثون ببلاهة عن التفاؤل، ثم اسخر من فكرة الإيجابية كما تشاء، فالمجد للساخرين والمستهزئين بكل من لا يشبه فرادتهم وإبداعهم !

:

كن نيتشوياً ومزق القيم تمزيقاً !

:

.. ومن هنا وجدنا بعضهم يُوصي غيره ممن يستنصحه: لن تكون مفكراً لامعاً إلا إذا تأثرت بشخصية نيتشه الذي كان يتفلسف ويفكر بمطرقة حطم بها كل شيء رآه الناس جميلاً ومهماً ، كما قال في كتابه " هذا الإنسان " ترجمة مجاهد عبدالمنعم مجاهد (ص 174): (إن من يكون مبدعاً في الخير والشر، يجب أن يكون في البدء مدمراً، ويمزق القيم تمزيقاً ) .

:

.. ووصف نفسه بأنه يتفلسف بمطرقة، فأفكاره بمثابة "الشاكوش" الذي يهشم به كل شيء تعارف الناس على حُسنه وخيريته وأنه حق، وهكذا يُقال للشاب الحدث: لن تكون مفكراً لا معاً حتى تهدم وتدمر كنيتشه وتخالف الناس، فتكره التفاؤل وتهاجم المقدس وتمدح التناقض وتتعشق السير في المناطق المحرمة وتتغزل في القمم الكئيبة المنعزلة .. الخ

:

المحرمات هي الحقيقة !

:

.. ومن نماذج هذه المعاكسة والمخالفة، ما قاله نيتشه في (ص 15) في أن كل المحرمات هي الحقيقة التي حُجبت عنك، فإن كنت تبحث عن الحقيقة؛ فعليك أن تقتحم تلك الغابات الممنوعة : ( إن ما هو محرم تحريماً شديداً هو دائماً الحقيقة ) .

:

.. وفي (ص 177) يحذر من قيم الخير ويهجوها كما يهجو الناس الشر، فيقول : ( من خلال الخير يصبح كل شيء زائفاً ومعطوباً من الجذور) ويمضي نيتشه في كثير من مقولاته يهاجم فكرة الخير التي يحترمها البشر جميعاً ! ويمتد هجومه حتى إلى الإنسان المتفائل الذي يحتقره ويصفه بالمتفسخ ويؤكد أن ضرره أكثر من المتشائم .

:

كن حاقداً واغضب كــ " الديناميت " !

:

.. وفي (ص 173) يقول : ( إنني لست رجلاً ، إنني ديناميت ) وهذا تكريس منه لفكرة الهدم والتقويض ، والتفلسف بمطرقته المسرفة في التكسير، بل أكثر من ذلك هو يتكلم عن فلسفة تُفج وتنسف، كأشد مواد المتفجرات " الديناميت".

.. وفي (ص 173 ) أيضاً يطري عمل المهرج ويجعله أفضل من عمل رجل الدين الأخلاقي : ( أعتقد أنني ممتلئ بالحقد ... أنا لا أريد أن أكون قديساً ، إنني بالأحرى أحب أن أكون مهرجاً ، بل ربما أنا مهرج) .

.. وفي (ص43) يقول : ( إن وخز الضمير يبدو لي نوعاً من القيم الشريرة ) فما اصطلح الناس على تسميته بتأنيب الضمير، يراه نيتشه من القيم الفاسدة والضارة التي يجب التخلص منها لسعادة العالم وانتصاره .

:

هل عبقريتك في أنفك كـ "نيتشه" ؟!

:

.. وفي (ص 173-174) يقول : ( إن عبقريتي تكمن في أنفي !! ) وهذا إمعاناً منه في الطرح الغرائبي المعاكس للمألوف ، وماذا سيجد العالم في أنف نيتشه من عبقرية يا تُرى ؟

.. ثم يمدح التناقض فيقول : ( إني أتناقض بمثل ما لم يتناقض أحد من قبلي )

.. ولعل هذه المخالفة لكل شيء سائد أو المعاكسة دائماً من أجل المعارضة ، هي أحد أسرار الإعجاب الشديد بنيتشه الذي نجده متفشياً في أوساط بعض الشباب لكونه مُلهماً لهم في تعبيد هذا الطريق القصير نحو الشهرة السريعة بأدنى جهد وأيسر مجهود ، وهو إعجاب غير مبرر علمياً وعقلياً لعدة اعتبارات مهمة ربما أعود لها لاحقاً .

:

تمجيد العفن عند الفيلسوف "العوّاء" !

:

.. وعلى شاكلة نيتشه في مهاجمة السائد والمتعارف عليه رغبة في الظهور بمظهر المفكر المتمرد المستقل ، وجدنا فئاماً من الشباب والشابات مؤخراً انتشر بينهم الإعجاب الشديد بكتابات الكاتب الروماني الأصل ، الفرنسي الثقافة " سيوران " التي تضج بتمجيد العفن ككتابه " موجز العفن " ، ومدح الحزن وإطراء الكآبة والوحدة والتشاؤم ككتابه " على ذرى اليأس " .

:

لو لم يُولد البشر لكانت هذه أمثل صيغة للوجود !

:

.. يمارس " سيوران " نوعاً من الإغراق المقزز في التشكي من وطأة الوجود وعبء الحياة وفقدان المعنى ، حيث يرى " ألا نولد هي أمثل صيغة وجود على الإطلاق " ، وأن الوجود الإنساني ما هو سوى ترقيع لما لا يمكن ترقيعه .

.. ويقول بكل بجاحة وقسوة : " رؤيتي للمستقبل واضحة إلى حد أنه لو كان لي أبناء لخنقتهم على الفور " ، وتتمحور فلسفته حول هذا المعنى . حتى وصف نفسه بأنه " فيلسوف عَوّاء " أي أنه يعوي بكثرة كما تفعل الذئاب !

:

تجميل الانتحار وتحسين الاعتقاد بعبثية الوجود !

:

.وفي كتاب " المعنى والغضب : مدخل إلى فلسفة سيوران " لحميد زناز (ص 72 ) تطالعنا عبارة سيوران :

( ليتهم يدركون السعادة التي يدينون لي بها أولئك الأبناء الذين لم أرغب في مجيئهم إلى هذا العالم ) .

ويقول (ص16) : ( لا شيء يثبت أننا أكثر من لا شيء ) .

وفي (ص 80) يمجد الانتحار ويُجمله جداً ، قائلاً : ( فكرة الإنتحار هي الفكرة الوحيدة التي تجعلنا نتحمل الحياة ) .

وفي (ص 73) يعلن سخطه من ضيوفه وزائريه مناقضاً فضيلة كرم الضيافة أو فضيلة التهذيب ، فيقول في ذلك : ( سأكتب على مدخل منزلي : " كل زيارة هي اعتداء " أو " ارحموني ، لا تدخلوا " أو ملعون من يدق الباب " ) .

وفي (ص 76) يتحسر على فكرة العدم لأنها لم تُفهم ولم تُقدس كما يجب قائلاً : ( واأسفاه على العدم ) .

وفي (ص 76) يذم مفهوم الوطنية قائلاً : ( إنسان يحترم نفسه لا يمكن أن يكون له وطن ، الوطن صمغ قوي ) .

وفي (ص 77) يمجد التناقض بين القول والفعل : ( أمضي وقتي في الدعوة للانتحار عن طريق الكتابة ، والدعوة لتجنبه عن طريق القول ) .

:

.. ثم هو يدعو إلى أن يكون الوعي مطروداً في المنافي ، وإلا لم يكن بوعي حقيقي : ( عدم الوعي وطنٌ .. الوعيُ منفى ) ، إلى غير ذلك من الأفكار العدمية والتشاؤمية التي تخالف الضرورات الإنسانية والمألوفات التي تسالم عليها البشر طوال مسيرة حياتهم لفائدتها ونفعها وكونها ضرورية لاستمرار الوجود الإنساني .

:

مستهلكوا الأفكار المستوردة !

:

.. إن "مستهلكي الأفكار المستوردة" من الباحثين عن شهرة سريعة أو من المستلذين بخداع أنفسهم بأنهم مبدعون مختلفون عن الآخرين ، لا يستطيع أحدهم أن يأتي بفكرة إلا أن تكون من الأفكار المغتصبة المسروقة بوقاحة من سيوران أونيتشه أو عبدالله القصيمي وأشباههم ، فأين الإبداع والعقل المتوهج بالموهبة المختلفة .

:

.. إن أي " درباوي " أو " عربجي " يمتلك النظرة ذاتها ، فهو يرى أنه يعيش مهمشاً لغرابته واختلافه وفي واقع الأمر يحمل " فلسفة وجودية " لكنها من نوع آخر والفارق بين الفئتين فارق طبقي اقتصادي ليس إلا ، وهنا أدعو أن تعقدوا مقارنة بين " مستهلكي الأفكار المستوردة و" الدرباوية " وابحثوا عن نقاط التشابه بينهما من حيث الرغبة في إثبات الذات وشد الانتباه عبر التمرد ؟!

:

.. إن الإبداع والشخصية المختلفة تكون محل ثناء واحترام إذا كانت حقيقية منتجة، وتكون كذلك متى زادت في معرفتنا ، أو أضافت إلى الوجود إضافة بناءة مفيدة تساهم في نشر العلم الحقيقي و محاصرة الجهل أو تسعى إلى تعزيز قدرات الإنسان ومنفعته وقوته و تسلحه بأسلحة جديدة تمكنه من محاربة الظلم والمرض والفقر أو تسكب في أرواحنا وأذاوقنا ما يزيد في الإشباع الجمالي والتناغم مع الكون والكائنات ، وما عدا ذلك فهو إبداع مزيف ، واختلاف مثير للشفقة !

:

.. إن أولئك لا يقدرون على " إنتاج أفكارهم المبتكرة " ، لقد اختاروا أن يكونوا منسلخين تتمشى بكتيريا الكراهية لذواتهم في عروقهم ، وتسري في دمائهم الرغبة في التنازل عن هويتهم ، بل ربما بلغ الأمر ببعضهم أن يصرح باستعداده لأن يعرض خدماته لخيانة عروبته وإسلامه لأول مشتر أجنبي .

:

.. ولذا رأينا وسمعنا تفاقم الهجوم على اليقين والسكينة والاستقرار ، ومدح أضدادها من الشك والقلق والحيرة تماشياً مع رغبات البعض أن يكون مفكراً متمرداً في سويعات قليلة ، ومن جراء هذه الآفة رأينا تنامي موجة التشكيك في المقدسات ، مع أن أركان الإيمان والإسلام لم تقف يوماً في وجه تقدم حقيقي أو قوة جديدة نافعة لبني الإنسان ، حتى يسوغ القدح فيها بكل هذه الضراوة والرفض .

:

.. ومن مظاهر التطبيق لقاعدة : ( كن معارضاً ) أي كن غريباً مختلفاً عن السائد ؛ الولع بطرح الأسئلة التي تثير الدهشة لأول وهلة، مع أنها لا تليق بطارحيها لبعدها عن تخصصاتهم ، وما ذلك إلا محاولة من بعضهم للظهور بالعمق الفكري والعبقرية الفريدة، ولكي يقال عنه : إنه واسع التفكير في الأشياء والوجود ، ومما يؤكد أنها أسئلة لا تليق بهم ؛ أنهم لا يبذلون أي جهد علمي حقيقي أو بحثي للعثور على الإجابات، وذلك من قبيل :

:

- لماذا الشمس دائرية وليست مثلثة أو حلزونية ؟

- لماذا القمر ليس له أسنان ؟

- هل الهواء له ذاكرة ؟

- هل ترانا القطة كما نرى أنفسنا ، أو ربما كانت تشاهد الإنسان في صورة دجاجة ؟

- هل تشعر الألوان بوجودها أو ربما ظن اللون الأحمر أنه كالماء بلا لون ؟

:

.. وهذه أسئلة سهلة جداً لحد التفاهة ، تعتمد على الصور المجازية والتلاعب بالكلمات، ويستطيع أي محترف لغوي أن يطلق العشرات على شاكلتها من مدفع أسئلته وبسرعة فائقة .

:

.. وللحديث بقية فلم ننته إلا من الثلث الأول فقط، وانتظروا مفاجأة القاعدة الثانية : ( كن غامضاً )، سنكشف زيف هؤلاء – إن شاء الله - وننزع عنهم ألاعيب الدهشة التي بهروا بها البسطاء ، وهم بلا شك يُدهشون الكثيرين في البدايات ، ولكن ما إن تسلط أضواء الصدق عليهم تتلاشى " فلاشاتهم " أمام نور الحقيقة !

:

   طباعة 
8 صوت
                                       التعليقات : 4 تعليق
« إضافة تعليق »

11-05-2013

(غير مسجل)

أمل الصالح

.
.
.
.
.


استفدت من هذا المقال أنه من السهل أن يبدو الإنسان سخيفا في أعين الناس (:



27-03-2013

(غير مسجل)

عبدالله السرهيد

درر للــه درك يا أ خ الإسلام ،، جزاك الباري عزو جل خير الجزاء ،، وجعل ماقدمت بميزان حسناتك بيوم لاينفع مال ولا بنون ..

11-03-2013

(غير مسجل)

مسلم وكفى

مقال رائع جداً كنا بحاجة ماسة إليه خاصة في زمن تكثر به هذه الفئة من البشر
بارك الله فيك وبانتظار الجزء الثاني

07-03-2013

(غير مسجل)

عبدالله

بارك الله فيك ونفع بك, الموضوع جميل يادكتور.. وفي انتظار الحلقة الثانية

[ 1 ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
3 + 6 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
دلائل اليقين - مـقــــــــــالات
الإيثار عند المرأة - مـقــــــــــالات