مدرسة جدي رحمه الله => مرفا رسائل الراحلين ۞ دلائل اليقين => مـقــــــــــالات ۞ أهمية الاحتساب على منكرات مواقع التواصل الاجتماعي => مرفـأ مدارج سلوكية ۞ د. الدريس يشارك في ندوة التطرف الفكري والإرهاب => مـتـــابـعـــات ۞ د. الدريس يحل ضيفا على مركز تمتين للاستشارات العلمية والتربوية => مـتـــابـعـــات ۞ حين يكون الموت .. طريقا إلى الحياة => مرفا رسائل الراحلين ۞ د. الدريس يقدم دورة أخطاء في التفكير => مـتـــابـعـــات ۞ تهافت => تهافت الفـكر الإلحادي ۞ كيف تصبح مفكراً متمرداً في تسع ساعات؟ => مــؤلـفـــــــات ۞

                                       المقال
كيف تصبح مفكراً متمرداً في تسع ساعات ؟! - 3
12003 زائر
23-04-2017
أ.د. خالد الدريس

:

كيف تصبح مفكراً متمرداً في تسع ساعات ؟!(3)

"كُن نسبياً"

:

:

.. سأفتتح مقالتي هذه بطرفة مصرية رواها الدكتور عبدالوهاب المسيري -رحمه الله-، وهي معبرة جداً عن مضمون كلامي الآتي حول مفهوم (النسبية المطلقة)، يُروى أن قاضياً ضجر من متهم يؤتى به دائماً إلى المحكمة لأجل تعاطي الحشيس، وأراد أن يوقظ ضميره وينصحه ، فقال القاضي : " لماذا تتعاطى الحشيش دائماً ؟ " فقال المتهم : حتى أنسى يا حضرة القاضي ! فسأله : تنسى ماذا ؟ فقال الحشاش : " والله مش فاكر" .

:

.. ما سنتحدث عنه في هذه المقالة يُشبه هذه المقولة ، وستجد أن مثل هذا المنطق غير المتسق ، أصبح مطلوباً ، بل وعلامة مميزة للمفكر المتمرد ، فهل يعقل أن يكون منطق الحشاشين محل إعجاب المفكرين ؟!

:

معنى أن تكون " نسبياً " :

:

.. وهذا هو الضلع الثالث من أضلاع مثلث التمرد الفكري : (كن نسبياً)، أي كل شيء في هذا العالم بل وفي الحياة المعاشة لا يمكن معرفة هل هو صواب أو لا ؟ .. عليك ألا تعتنق أي يقين ولا تطمئن إلى أي مُسلمة، وكن كمثقفي ( ما بعد الحداثة )، الذين حطموا كل اليقينيات والمسلمات، ووقفوا ضد أي أساس، فالعالم بلا أصل ولا مركز ولا معيار يُحتكم إليه ، عليك أن تنزع القداسة عن كل شيء وأي شيء في العالم ، كما يقتضي مبدأ النسبية المطلقة !

:

النسبية أن تكون مواقفك زئبقية :

:

.. ولتوضيح مراد هذه الطائفة من (البراعم الجدد) من المفكرين المتمردين، سنضطر للعودة إلى فيلسوفهم الأثير "إميل سيوران" فهم يقلدونه بصورة مقززة، بل يحاكون أفكاره ويتمثلونها محاولة منهم للظهور بهيئة المفكرين القلقين لوجودهم وفي وجودهم ، فماذا يقول هذا الزئبقي كما ورد في شذراته التي نقلها : أ.حميد زناز في كتابه "مدخل إلى فسلفة سيوران" :

:

- يرى "سيوران" أن أي يقين هو دجل وكذب، وكل الصدق والنزاهة في أن تكون محتاراً متردداً، يقول في ذلك : ( تردُدُنا علامة على نزاهتنا ، أما يقيننا فلا يدل إلا على دجلنا !) .

:

- ويقول في سياق المعنى السابق : ( الآراء نعم ، أما القناعات فلا ، وتلك ركيزة كل عزة فكرية) .

:

- و يُحقر الاقتناع والترجيح ويُثني على التذبذب واللا أدرية ، فيقول : ( وحده يملك قناعات ، من لم يتعمق في شيء !) إذن أنت عميق في حالة واحدة أن تكون لا أدرياً شاكاً غير واثق من شيء .

:

- وأي إنسان يدافع عن أفكاره يصفه بالغشاش ، فيقول : ( يُعرف المفكر الغشاش من حصيلة الأفكار الدقيقة التي يُدافع عنها )

:

ما المطلوب يا "سيوران" إذن ؟ يجيب صاحب كتاب "موجز العفن" : كُن نسبياً ولا تؤمن بشيء ولا تدافع عن شيء وكن أنت لا شيء ، أليست أفضل صيغة للوجود عنده هي ألا نكون موجودين ؟! هذا هو رأيه بلا تحريف .

:

- ويُحذر أن يكون لك أي موقف فكري أو تتبع أي مذهب أو منهج ، فيقول : ( المذهب أخطر أنواع الاستبداد في الفلسفة وفي كل شيء ) وهذا تقديس صريح للفوضى الفكرية ، وعداء جلي للعقلانية المنظمة الواعية .

:

- ويذم الفهم ويُطري الحيرة واللا استقرار ، فيقول : ( نبدو على هيئة مجرمين في اللحظة التي نعتقد فيها أننا فهمنا كل شيء )

:

- وفي السياق ذاته يُمجد " اللا معنى " يقول : ( مأساة الكاتب الحقيقية حين يتم فهمه ) إذن المطلوب هو ألا يكون لك أي رأي محدد في أي شيء لئلا يفهمك أحد !

:

- ويذكر حميد زناز (ص 66 ) أن " سيوران " ردد في العديد من المناسبات أنه عمل كل ما في وسعه لخلط الأوراق ، وزرع سوء الفهم بين دارسيه !!

:

.. هذا معنى أن تكون "نسبياً " أي تظاهر بأنك لا تفهم شيئاً ، ولا أحد يفهم أي شيء ، فالعالم بجملته لا معنى له ، ولهذا فالنتيجة : تقديس " البلاهة " وتمجيد الجهل واللا معنى ، وكل مواقفك زئبقية بامتياز ، تقبل الساعة ما ترفضه بعد ربع ساعة ، ولا حرج عليك .

:

نكتة : أستاذ الجامعة يشرح ما لا يفهمه :

:

.. إن واقع الحال السابقة يمكن تصويرها بهذه الطرفة عن ذلك الأستاذ الجامعي الذي كان يحاضر طلابه في إحدى البلاد العربية عن فلسفة " هيجل " فسأله طالب : ما معنى مقولة " تجسد العقل في التاريخ " ، وبعد محاولات متكررة لشرح الفكرة ، أصر الطالب على أنه لم يفهم شيئاً ، فقال الأستاذ غاضباً : ( أتريد يا بني أن أشرح لك أمراً أنا شخصياً لا أفقه منه شيئاً ! )

:

أدر ظهرك للعالم وكن كئيباً :

:

.. ولننتقل إلى شخصية أخرى تناصر (اللا فهم واللا يقين واللا قيم ) هو "نيكولا غوميز دافيلا" في كتابه "بؤس الديمقراطية" الذي يصرح فيه : ( من لم يُدر ظهره للعالم الحالي يفقد كل شرفه )

فالمطلوب ألا تهتم بأي شيء ، أدر ظهرك ولا تبالي بكل شيء أو أي شيء ، وكن أنت لا شيء .

:

وشخصية أخرى "جيرار دو نيرفال" يمدح أن يكون الإنسان كئيباً ويقدم تبريراً لهذه التفاهة : (الكآبة ذلك المرض الذي يجعل المرء ينظر إلى الأشياء كما هي) .

ولك أن تتخيل الإنجازات الكثيرة في هذه الحضارة المادية المعاصرة هل يمكن للكآبة أن تكون هي السبب في إنجازها ؟

:

.. هل يملك الكئيب أن يصنع شيئاً مهماً كـ "الهاتف الذكي" أو "الآي باد" أو "اليوتيوب" رغم كل الصعوبات والإحباطات التي عادة ما تحيط بالمخترعين في كل خطوة ؟

.. وفكر معي هل التفاؤل بالمستقبل والأمل مفيد لأي مكتشف أو مهندس لينجح في غايته أم أن الكآبة بكل تشاؤمها وقلقها وكسلها وفراغها هي التي تجعله يرى الأشياء كما هي ؟

.. ألا سحقاً لهذا الهراء والعفن ؟!

:

إياك أن تدافع عن المبادئ :

:

وقد عبر عن مضمون فكرة ( كن نسبياً) الفيلسوف "برتراند راسل" كما ورد في سلسلة حواراته التلفازية التي أجراها "وودرو ويات" ، المنشورة تحت عنوان "الفلسفة وقضايا الحياة" (ص 20) حيث قال:

(علينا ألا نكون واثقين من أي شيء ، إن كنتَ واثقاً فأنت مخطئ بالتأكيد ؛ لأن لا شيء يستحق الوثوق) .

يا لهذا المقياس الفكري العجيب الذي لا يسأل عن دليل القول ولا عن جذوره ونتائجه ، وإنما يُعمم بأن " كل واثق فهو مخطئ بالتأكيد " ، إن مثل هذا الكلام جناية حقيقية على أفكار شاب مبتدئ ، ولكم أن تتصوروا نتائج الإيمان بالشك إلى هذا الحد ، هل تظنون أنه سيخرج لنا أناساً يتمتعون بالثقة والعزيمة والقوة ، أما سنبتلى بشخصيات من المهزوزين المترددين الحيارى ممن لا يملكون قوة الاعتقاد وبالتالي لن يكونوا قادرين على قوة البناء والفعل والتأثير الحقيقي في العالم .

:

الواقع المعاصر يُفنِّد مقولة " راسل " :

:

إن أقوى دليل على بطلان مبدأ " راسل " هذا المثال الواقعي فقد حث بشدة داعياً وطنه بريطانيا كما يذكر د. توماس سويل في كتابه ( المثقفون والمجتمع ) (ص 39) : (إلى نزع السلاح بشكل أحادي الجانب في الثلاثينيات من القرن الماضي بينما كان " هتلر" يعيد تسليح ألمانيا ، وامتدت دعوة "راسل" لنزع السلاح حتى شملت الجيش والبحرية وسلاح الجو ، ومرة أخرى بينما كان " هتلر" يعيد تسليح نفسه على مقربة من بريطانيا) .

:

تخيل معي صديقي القارئ نتائج مثالية "راسل" الحالمة ولا أدريته المستمرة البائسة ، لو أن بريطانيا أخذت بمشورته وفككت جيشها وأساطيلها وقواتها الجوية ماذا كان سيحدث لها في الحرب العالمية الثانية أمام جيوش " هتلر" الجرارة ؟

:

ووازن ذلك بوثوقية رئيس وزراء بريطانيا وقتها " ونستون تشرشل " الذي كان لا يثق بالنازيين الألمان ، وخطب في مجلس العموم البريطاني قائلاً – كما ورد في كتاب "100 خطاب دمغت القرن العشرين " من تأليف هيرفيه بروكيه وآخرين (1/334-335) -: ( ليس لدي شيء آخر سوى الدم والألم والدموع والعرق ، أمامنا محنة من أقسى المحن .. تسألونني : ما سياستنا ؟ أقول لكم : هي أن نحارب جواً وبراً وبحراً ، بكل قدرتنا ، وبكل القوة التي يعطيها الله لنا ... تسألونني : ما هدفنا ؟ أجيبكم بكلمة واحدة : الانتصار ! الانتصار مهما كلف الثمن .. سآخذ على عاتقي هذه المهمة بكل حماس وأمل )

:

وفي خطاب آخر يقول : ( لن نحذف أي شيء من مطالبنا المحقة ، لن نتنازل عن شيء ولا عن ذرة .. فلنحضر أنفسنا إذن لنقوم بواجبنا) .

:

أليست الحياة الواقعية مختبراً حقيقياً لإثبات فشل مبدأ " راسل " ؟!

أليست " وثوقية " تشرشل ووضوح رؤيته أقوى دليل على أن اليقين مهم لأي إنجاز بشري مؤثر ؟

:

عميد الفلاسفة غير متأكد من أي شيء :

:

وقد عبر " راسل " مرة فقال : (لستُ على استعداد أن أموت في سبيل مبدأ ؛ لأني غير متأكد من أي شيء) ، وفي عبارة أخرى : (لن أموت دفاعاً عن قناعاتي ، فقد أكون مخطئاً ) .

إن أي جبان رعديد يستطيع أن يَستُر جبنه وخوفه بمثل هذا المبدأ ، ليس لأنه يؤمن به ، ولكن لأنه يخدم جبنه وهلعه، وهذا في حد ذاته محك يُسقط صلاحية المقولة للتطبيق .

:

كن " نسبياً " = كن " جباناً متردداً " :

:

إن مقولة " راسل " هذه استقالة مريحة من المسؤوليات ، تُعفي من يتبناها من أي عبء فلن يحارب ظلماً ولن يقاوم شراً !

ولك أن تتصور لو أن مجاهدي سوريا اليوم اعتنقوا مثل هذا الرأي هل سيقاومون الطغيان والاستبداد في بلادهم ؟

كيف سيدفع أي باطل أو ظلم في هذا العالم لو عممنا هذه المقولة الجبانة ؟!

وقل لي بربك : متى كانت الحيرة والتردد والضياع فضيلة ؟!

إن " راسل " نفسه يناقض نفسه ، فكم خالف عملياً هذه المقولة في أقواله وتصرفاته على مدى حياته .

إن المقولة السابقة مقولة " الجبناء " ، أقولها بكل شموخ المسلم الواثق ولدي من " الاستعلاء الإيماني " ما يحملني على أن أقف في وجه أتباع هذا المبدأ لأرد عليهم : كفى هراء فكل قيم الحق والخير والجمال في هذه الحياة تنقض عبثكم وعشوائيتكم المطلقة .

إن هذا المبدأ يتيح لأي " سافل وصولي " يدعي أنه مثقف أن يُغير مواقفه الفكرية بسهولة كما يُغير جواربه وبدون أن يؤنبه ضميره ؟!

:

تراجع إن كنت شُجاعاً :

:

هلا قال " راسل " : إذا ظهر لك خطؤك بالدليل ، فكن شجاعاً وتراجع عنه واتبع الحق ! لو قالها ؛ لقبلناها لأننا لسنا ضد التغيير عند ظهور الأدلة الصحيحة أو المستجدات الموضوعية ، فالعاقل يدور مع الدليل في إثبات الأشياء وفي نفيها ، ويراجع أحكامه ويحاسب أفكاره ، ويتطلب الحكمة من مظانها .

وليس " كل يقين " هو بالضرورة تعصب وانغلاق فكر وجمود ، اليقين الحق المستنير بنور القرآن وهدي السنة يرفض التعصب ويحارب جمود الفكر وانغلاقه ؛ لأن اليقين الصحيح يعرف حدود " النسبي " فيقبله ، ويُسلم بحدود " القطعي " فيتشبث به ، ويعلم أن للاجتهاد مساحات كبيرة تدور في حسابات الاحتمالات الترجيحية لا اليقينية ، إنه يقين لا يعادي العقل الموضوعي ولا التنوير النافع المفيد .

عليكم أن تخجلوا من أنفسكم حين تشوهون " قوة " اليقين والثبات بكل ملوثاتكم المعتوهة تلك .

:

واأسفاه على العقل :

:

ثم إن مقولة : (لا يمكن القطع بشيء ) تطرح ما يكشف تناقضها ، وهو أن هذا الكلام فيه إسقاط لمنفعة العقل والإشادة به .

ألستم تبجلون العقل لحد التأليه ، إذن ما فائدة العقل إذا كانت وظيفته هي الشك والتردد والحيرة فقط ؟!

هذا عقل عابث لا فائدة تُرجى منه ، إن أي مراوغ منافق يستطيع أن يستعمل هذا المنطق الأعوج بلا أي حرج أو خجل ، وهذا وأد لكل الفضائل التي نعلم بالمشاهدة والحس أنها إيجابية كالشجاعة والثقة والعزيمة والإصرار على مواجهة الظلم والفساد والبغي والفقر والجهل، إن مثل هذا المنطق الأعرج الأعوج لا يُنتج إلا شخصيات فاشلة هشة متواكلة متمركزة حول ذاتها ، لا تعرف معروفاً أو حقاً أو جمالاً، ولا تنكر شراً أو باطلاً أو قبحاً ، شخصيات متهشمة مستسلمة لأبعد حد ، كما وصف الله المنافقين : ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) النساء :143

فالمنافقون في الحقيقة يُشابهون " النسبيين " و اللا أدريين . ولهذا إذا سئل المنافق في القبر كما ورد في الحديث الصحيح عن خالقه ودينه ورسوله يقول : ( هاه هاه ، لا أدري ) فقاتل الله هذه المبادئ المنافقة ما أبشعها وأضرها وأشقاها.

:

الفيلسوف "كانت" يؤكد على أنه لابد للعقل من معايير :

:

وإن كنتم تقولون بالنسبية المطلقة خوفاً على العقل من التحجر والجمود ، سأنقل لكم رأي فيلسوف " نقد العقل " في الحضارة الغربية " إمانويل كانت " - في رسالته " ما التوجه في التفكير ؟ " (ص112) ترجمة محمود بن جماعة - حيث يؤكد على ضرورة أن يكون للعقل قوانينه وأن هذا لا ينافي حرية التفكير: ( إذا كان العقل لا يريد الخضوع للقانون الذي يسنه بنفسه ، فلا مناص من أن يرزح تحت نير القوانين التي سنها له الغير ؛ لأنه من غير قانون أياً كان ، لا شيء ... يظل زمناً طويلاً على الإطلاق .

فالنتيجة الحتمية لغياب القانون في التفكير - أي التحرر من الضوابط الصادرة عن العقل - هي أن حرية التفكير تتحمل في النهاية تبعات ذلك ، وستضيع بالمعنى الحقيقي للكلمة ).

فلا حرية للتفكير بلا معايير وقوانين ، وبدونها لا مستقبل لحرية التفكير إلا ضياعها في متاهات الفوضى والعبث والعشوائية .

إن الحماس لفكرة " النسبية المطلقة " بالصورة التي عرضنا لها ، تعيد إلى أذهاننا مقولة الروائي الانجليزي " جورج أورويل " : ( إن بعض الأفكار هي من الحماقة بمكان ، بحيث إنه لا يمكن أن يصدقها إلا مثقف ) .

وهذه حال فكرة أنه لا يوجد استقلال فكري إلا بتبني مقولة " النسبية المطلقة " ، فكرة حمقاء لا يصدقها إلا بعض المثقفين أما عموم الناس فينفرون منها بقوة .

:

الأندومي ومشكلة الإنفجار المعرفي :

:

وعطفاً على ما تقدم رأينا أمثال هؤلاء البراعم من الوالجين حديثاً لعالم الفكر المتمرد ، لا يمتلكون صبراً على استقصاء المعرفة ، ولا يتقنون مناهج البحث العلمي ، ولا يفرقون بين أنواع الأدلة والبراهين . يقول قائلهم : إن ما أقوله اليوم قد أنقضه بعد ساعة ففي عصر الإنفجار المعرفي تتجدد المعلومات في كل ثانية ، لذا أغير رأيي باستمرار .

حسناً أيها الذكي بناء على تعميمك المدهش :

هل الأندومي الذي تأكله يتجدد كل ثانية ؟

هل مسكنك يتجدد كل ساعة ؟

هل حقائق الفلك والرياضيات تتجدد كل يوم ؟!

فترتسم ابتسامة بلهاء على محياه ، ويقول : غيرت رأيي في ثانية ! ألم أقل لكم : مواقفهم زئبقية ؟!

:

جئتُ إلى هذا العالم لأحتج :

:

وقد عرفنا أن " كهنة الفكر المتمرد "عندما ينصحون " المدرعم الجديد " يغوونه بتهويل مبدأ ( الاستقلال الفكري ) فيزينون له (نسبية الحقيقة) بذلك المبدأ الأخاذ ، وبمتابعتي لبعضهم أستطيع أن أقول ساخراً : إن ما يُنصحون به لا يخرج عما يلي :

صرح بكراهة المتدينين كثيراً ولكن لا تنس : اسخر من الليبراليين أحياناً ، وأطلق بعض فكاهاتك على زعماء الملاحدة بين وقت وآخر كل أسبوع مرة قبل النوم ، واستهزئ بدعاة حقوق المرأة كل شهر مرة ، وتهكم على دعاة الإصلاح السياسي والاجتماعي كل يومين قبل المغرب .

حاول قدر الإمكان أن تكون بلا ملامح بلا شخصية أو انتماء، إن الشعار الرئيس هو : (( إنما جئتُ إلى هذا العالم لأحتج )) فإن طبقت هذا الشعار فأنت مستقل بأقل تكلفة ، مهنتك أن تحتج فقط ، أرأيت كم هو من السهل أن تصبح مفكراً متمرداً ؟!

إن استقلالك هذا سيحير مخالفيك جداً ، وستكسب الإعجاب السريع في " تويتر" ومواقع التواصل الاجتماعي ، وتحمي نفسك من أي إلزامات في النقاشات والحوارات .

:

مُفكّر ولكنه كالزائدة الدودية :

:

أهذا هو الاستقلال الفكري في مفهومكم ؟!

متى كان الاستقلال الفكري يعني ألا تستطيع إكمال كتاب واحد بقراءة نقدية ؟

متى كان الاستقلال الفكري يعني ألا تفكر بعمق وتجذر وتسلسل في فكرة كفكرة التقدم مثلا لتعرف أصولها وارتباطاتها الأفقية والرأسية وتفريعاتها ؟

متى كان الاستقلال الفكري يعني أن تعيش رافضاً لمجرد الرفض فقط بلا فكر ولا نقد ولا بحث ولا استقصاء ؟

لا تضحك على نفسك ولا تخدعها : أنت يا صاحبي كالزائدة الدودية لا ننتبه إليها إلا عندما تؤذينا !!

كل ما تحسنه هو الإيذاء لنفسك وأهلك ومجتمعك بهذا الفكر المفكك المهترئ .

:

وبهذا تكتمل أضلاع مثلث التمرد الفكري : (كن معارضاً ، كن غامضاً ، كن نسبياً) ، كل ضلع له ثلاث ساعات ، بعدها يصبح " البرعم الجديد" وبكل سهولة جاهزاً " للدرعمة " فليبتهج عالم المفكرين المتمردين ، بالمولود الجديد الذي سيحل ضيفاً عليهم ، فما أسرع اللمعان ، وما أسرع الانطفاء ، هكذا أيها الأصدقاء وخلال حلقات ثلاث حدثتكم عن (فقاعة الصابون الثقافية) : كيف تصبح مفكراً متمرداً في 9 ساعات !

:

وفي الختام تذكرت قول إيريك هوفر واصفاً حال " المفكرين " إياهم : ( إن أحد امتيازات المثقفين التي تدعو للاستغراب ، هي أن يكونوا أحراراً في أن يكونوا بلهاء إلى حد كبير دون أن يضر ذلك بسمعتهم ) !

:

انتهت هذه الرحلة يا أصدقائي ..

إلى اللقاء وأنتم في أسعد حال !

   طباعة 
4 صوت
                                       التعليقات : 7 تعليق
« إضافة تعليق »

04-01-2015

(غير مسجل)

حسن الناصر

أشكرك بعمق دكتور خالد مقال مميز أجاب عن إشكالات كثيرة كانت تواجهني بخصوص هؤلاء البراعم.. بخصوص النقطة الأخيرة المتعلقة ( بالزائدة الدودوية) فأظن والعلم عند الله أنها لم تخلق إلا لسبب لم يتوصل إليه العلم بعد

14-05-2013

(غير مسجل)

أمل الصالح

.
.
.
.

أدركتُ أنه من السهل جدا أن يكون المرء مهرطقا وسريع الذوبان

متابعة لمقالاتك آمل أن لا تنضب دواتك

04-04-2013

(غير مسجل)

أحمد

اشكرك جزيل الشكر , جزاك الله خيرا ,

31-03-2013

(غير مسجل)

عبدالله العايذ

جزاك الله خيرا

27-03-2013

( الادارة)

admin

تم تعديل الكلمة .. شكراً لتنبيهكم !

27-03-2013

(غير مسجل)

عبدالله العتيبي

السلام عليك يادكتور, أمتعتنا بهده السلسة

وأظن أن حرف الباء سقط سهوا من الكلمة في الآيه :"(مذبذبين) بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء" النساء :143

[ 1 ] [ 2 ] [ التالي ]
إضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/1000
تعليقك
4 + 4 =
أدخل الناتج
                                       جديد المقالات
دلائل اليقين - مـقــــــــــالات
الإيثار عند المرأة - مـقــــــــــالات
هل العقل رفيق الإيمان ؟ - 7 - مـقــــــــــالات